أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

36

تهذيب اللغة

وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [ الحِجر : 22 ] ، قرأها حمزة ( وأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَاقِحَ ) لأن الريحَ في معنى جمع ، قال : ومن قرأ ( الرِّياحَ لَواقِحَ ) فهو بَيِّن ، ولكن يُقالُ : إنما الرِّيحُ مُلْقِحة تُلْقح الشجر فكيف قِيلَ لواقِح ؟ ففي ذلك معنيان أحدُهما أن تجعل الريحَ هي التي تَلْقَح بمرورِها على التُّرابِ والماءِ فيكون فيها اللِّقاحُ فيقال رِيحٌ لاقِح كما يقال : ناقة لاقِحٌ ، ويَشْهَد على ذلك أنه وصف رِيحَ العذاب بالعقِيم « 1 » فجعلها عَقِيماً إذ لم تَلْقَح . قال : والوجهُ الآخر أن يكون وَصَفَها باللَّقْح وإن كانت تُلْقح كما قيل : ليل نائم والنَّوْم فيه ، وسرٌّ كاتمٌ ، وكما قيل : المَبْرُوزُ والمَخْتُومُ فجعله مَبْرُوزاً ولم يقل مُبْرِزاً ، فجاز مَفْعُول لمُفْعَل ، كما جاز فاعِل لِمَفْعُول إذ لم يزدِ البِناءُ على الفِعْل ، كما قيل ماء دافِق . وأخبرني المُنْذِرِيّ عن الحَرَّانِي عن ابن السِّكِّيت قال : لواقِحُ : حَوَامل ، واحدتها لاقِح . قال : وسَمِعْتُ أبا الهَيْثَم يقول : ريحٌ لاقِحٌ أي ذاتُ لِقاح كما يُقال : دِرْهَم وازِنٌ أي ذو وَزْنٍ ، ورجل رامِحٌ وسائِفٌ ونابِل ، ولا يقال : رَمَح ولا سافَ ولا نَبَل ، يُرادُ ذو رُمْح وذو سَيْفٍ وذو نَبْل . قلت : وقيل : معنى قوله : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [ الحِجر : 22 ] أي حوامِل جعل الريح لاقحاً لأنها تحمل الماء والسحاب وتقلّبه وتصرّفه ثم تَسْتَدِرّه ، فالرياح لواقح أي حوامل على هذا المعنى ، ومنه قولُ أبي وَجْزَة : حتى سَلَكْنَ الشَّوَى مِنْهُنّ في مَسَك * من نَسْلِ جَوَّابَةِ الآفاق مِهْدَاج سلكْنَ يعنِي الأُتُن أدخلن شَواهُنَّ أي قوائمهن في مَسَك أي في ماء صار كالمَسَك لأيديها ، ثم جعل ذلك الماء من نَسْلِ ريح تجوب البلاد ، فجعل الماء للريح كالولد : لأنها حملته . ومما يحقق ذلك قولُ اللَّه جلّ وعزّ : يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا [ الأعرَاف : 57 ] أي حَمَلت ، فهذا على المعنى لا يحتاج إلى أن يكون لاقِحٌ بمعنى ذي لَقْح ، ولكنها حاملة تحمِلُ السحاب والماء . ويقال للرجل إذا تكلم فأشار بيديه : تلقَّحَتْ يداه ، يُشَبَّه بالناقة إذا شالت بذنبها تُرِي أنها لاقح لئِلَّا يدنو منها الفَحْلُ فيقال تلقَّحت ، وأنشد : تَلَقَّحُ أيدِيهم كأَنّ زَبِيبَهُم * زبيبُ الفُحُول الصِّيدِ وهي تَلَمَّحُ أي أنهم يُشيرون بأيديهم إذا خطبوا ، والزَّبيبُ : شِبْه الزَّبَدِ يظهر في صامِغَي الخطيب إذا زَبَّبَ شِدْقاه . لحق : الليث : اللّحَق : كلّ شيء لَحِق شيئاً أو أَلْحَقْتَهُ به من النبات ومن حَمْلِ النَّخْل ، وذلك أن يُرْطِبَ ويُثْمِر ، ثم يخرُج في بعضه شيء يكون أخضر قَلَّ ما يُرْطِب حتى يُدْرِكه الشِّتَاء ويكون نحو ذلك في

--> ( 1 ) يعني قوله تعالى : وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [ الذاريات : 41 ] .